الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
254
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
قلت : لكن يشترط أن يكون في بلده غيره ، أما إذا لم يكن غيره فلا يحلّ له أخذ الأجرة ؛ لأن الإقراء صار عليه واجبا . قال في بستان العارفين : التعليم على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يعلّم للحسبة ولا يأخذ عوضا ، والثاني : أن يعلّم بالأجرة ، والثالث : أن يعلّم بغير شرط ، فإذا أهدي إليه قبله ، فأما إذا علّم للحسبة فهو مأجور فيه ، وعمله عمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأما إذا علّم بالأجرة فقد اختلف الناس فيه ، قال أصحابنا المتقدمون : لا يجوز له أخذ الأجرة لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال : « بلّغوا عني ولو آية » فأوجب على أمته التبليغ كما أوجب اللّه تعالى على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم التبليغ ، فكما لم يجز للنبيّ عليه الصلاة والسلام أخذ الأجرة فكذلك لا يجوز لأمته . وقال جماعة من العلماء المتأخرين مثل عصام بن يوسف ونصير بن يحيى وأبي نصر بن سلام وغيرهم : إنه يجوز . فالأفضل للمعلم أن يشارط على الأجر للحفظ وتعليم الهجاء والكتابة ، فلو شارط لتعليم القرآن أرجو أن لا بأس به ؛ لأن المسلمين قد توارثوا ذلك واحتاجوا إليه . وأما إذا علّم بغير شرط ، وأهدي إليه وقبل الهدية فإنه يجوز في قولهم جميعا ؛ لأن النبيّ عليه الصلاة والسلام كان معلّما وكان يقبل الهدية . وروى أبو المتوكل الباجي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا في غزاة فمرّوا بحيّ من أحياء العرب فقالوا : هل فيكم من راق فإن سيد الحيّ قد لدغ ؟ فرقاه رجل بفاتحة الكتاب ، فبرأ ، فأعطي قطيعا من الغنم ، فأبى أن يأخذه ، فسأل عن ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « بم رقيته » ؟ قال : بفاتحة الكتاب ، قال : فما يدريك أنها رقية ؟ خذها واضربوا لي معكم فيها بسهم » . يعني أنّ أخذه مباح . اه . وينبغي للمقرئ أن يتخلق بالأخلاق الحميدة المرضيّة من الزهد في الدنيا والتقلل منها ، وعدم المبالاة بها وبأهلها ، والسخاء ، والحلم ، والصبر ، ومكارم الأخلاق ، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة ، وملازمة الورع ، والخشوع ، والسكينة ، والوقار ، والتواضع ، والخضوع . وينبغي له تحسين هيئته وليحذر من الملابس المنهيّ عنها ، ومما لا يليق بأمثاله ، ويجلس غير متكئ ، مستقبل القبلة ، متطهرا طهارة كاملة ، خصوصا إذا كان معلما للصبيان ؛ لأنه يحتاج إلى مس المصحف والألواح ، وينبغي له أن يزيل نتن إبطيه أو ما له رائحة كريهة بما أمكن له ، ويمسّ من الطّيب ما يقدر عليه ، ولا يعبث بلحيته ، ولا بغيرها ، وليحفظ بصره عن الالتفات إلا لحاجة ، وليكن متدبرا في معاني القرآن ، ساكن الأطراف إلا إذا احتاج إلى إشارة للقارئ ، فيضرب بيده الأرض ضربا خفيفا ، أو يشير بيده أو برأسه ليفطن القارئ لما فاته ، ويصبر عليه حتى يتفكر ، فإن